أبي الفرج الأصفهاني
137
الأغاني
على كساء ، فوقف قليلا كأنه يصلح شيئا ، وجازت بهم أم خراش فلم يعرضوا لها لئلا ينفر منهم ، ووضعت العصاء على قعودها ، وتواثبوا إليه ووثب يعدو . قال : فزاحمه على المحجّة [ 1 ] التي يسلك فيها على العقبة ظبي ، فسبقه أبو خراش ، وتصايح القوم : يا مخلد أخذا أخذا . قال : ففات الأخذ . فقالوا : ضربا ضربا ، فسبق الضرب ، فصاحوا : رميا رميا فسبق الرمي ، وسبقت أمّ خراش إلى الحيّ فنادت : ألا إنّ أبا خراش قد قتل ، فقام أهل الحيّ إليها ، وقام أبوه وقال : ويحك ما كانت قصّته ، فقالت : إن بني الدّيل عرضوا له الساعة في العقبة ، قال : فما رأيت ، أو ما سمعت ، ؟ قالت : سمعتهم يقولون : يا مخلد أخذا أخذا ، قال : ثم سمعت ما ذا ؟ قالت : ثم سمعتهم يقولون : ضربا ضربا ، قال : ثم سمعت ما ذا ؟ قالت : سمعتهم يقولون : رميا رميا ، قال : فإن كنت سمعت رميا رميا / فقد أفلت ، وهو منا قريب ، ثم صاح : يا أبا خراش ، فقال أبو خراش : يا لبّيك ، وإذا هو قد وافاهم على أثرها . وقال أبو خراش في ذلك : رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم رفوني بالفاء : سكَّنوني وقالوا : لا بأس عليك . فغاررت شيئا والدّريس كأنما يزعزعه وعك من الموم مردم [ 2 ] غاررت : تلبثت . والدّريس : الخلق من الثياب ، ومثله الجرد والسّحق والحشيف . ومردم : لازم . تذكرت ما أين المفرّ وإنني بحبل الذي ينجي من الموت معصم [ 3 ] فو اللَّه ما ربداء أو علج عانة أقبّ وما إن تيس رمل مصمّم [ 4 ] بأسرع منّي إذ عرفت عديّهم كأني لأولاهم من القرب توأم [ 5 ] وأجود منّي حين وافيت ساعيا وأخطأني خلف الثّنيّة أسهم [ 6 ] أوائل بالشّدّ الذّليق وحثّني لدى المتن مشبوح الذراعين خلجم [ 7 ] / تذكَّر ذحلا عندنا وهو فاتك من القوم يعروه اجتراء ومأثم [ 8 ]
--> [ 1 ] المحجة : الطريق . [ 2 ] غاررت شيئا : تلبثت قليلا - والوعك : أذى الحمى ، والموم : الحمى الشديدة ، كأنه يقول : تلبثت قليلا وجسمي ينتفض ، فتنتفض معه ثيابي الخلقة ، كأن بجسمي حمى ملازمة . [ 3 ] « ما » زائدة ، معصم : من أعصم به ، أي استمسك ، يريد أنه معتمد على اللَّه . ( 4 - 5 ) ربداء : صفة موصوف محذوف ، أي غزالة ربداء ، والربداء : المغبرة اللون ، والعلج : حمار الوحش ، العانة : القطيع من حمر الوحش ، أقب : دقيق الخصر ضامر البطن ، مصمم : جاد في سيره ، العدى : جماعة القوم يعدون ، لأولاهم : لأولى سراياهم . يقول : أقسم أنني حين أبصرتهم يعدون خلفي كنت أسرع من الغزالة وحمار الوحش الضامر والتيس المصمم ، وقد كادوا يدركونني ، فقد كنت لأولى سراياهم من القرب كأنني توءم لها . [ 6 ] الثنية : الطريق في الجبل ، وقوله : « أجود » معطوف على « أسرع » أي ما كانت هذه الحيوانات أسرع مني ، ولا أجود جريا حين وصلت سالما ، وأخطأني أسهمهم . [ 7 ] وائل : طلب النجاة ، الشد الذليق : الجري السريع . وفي س « السيف الذليق » ولا معنى له ، والمثبت من هد : هج . حثني لدى المتن : أسرع بي على الجري ، والمتن ، الذهاب في الأرض ، ومشبوح الذراعين : عظيمهما ، الخلجم - كجعفر : الجسم العظيم ، أو الطويل المنجذب الخلق . يقول : طلبت النجاة بسرعة الجري ، وساعدني على ذلك جسمي القوي البنيان . [ 8 ] تذكر ذحلا . . . إلخ : يتحدث عن خصمه ، ويصفه بالفتك والجرأة وارتكاب المآثم .